فرج الحطاب.. من (سيول أليفة) إلى (أناشيد فينكس)

بقلم: ر. محمد. ر

قبل سنة 2003 كنّا نلتقي في بغداد مراراً عندما كان كلانا يشق طريقه الإبداعي، فرج الحطّاب شاعر من مواليد 1967، ينحدر من الجنوب. وفي سنة 1996 صدرت له في بغداد مجموعته الشعرية الأولى (سيول أليفة) هي وقصائدها بداياته في الشعر وكنّا احتفينا بها في بغداد العاصمة، ومن ثم صدرت في سنة 1997 مجموعته الشعرية الثانية تحت عنوان (لصوص) وكانت أقرب إلى روح الشاعر في علاقته بالواقع العراقي العاصف جوعاً دامياً وهو العام الذي صدر بيانه الشعري فيه بمعيّة أحد أصدقائه (جمال الحلاق) تحت عنوان (الرؤيا الآن) وهو البيان الشعري التسعيني، ولأن فرج الحطّاب متذمّر روحياً مما جرى في العراق فقد أصدر مع زميله الشاعر عباس اليوسفي (الشعر العراقي الآن) في سنة 1998، وهي السنة التي صدرت له فيها روايته (القبور تهاجر أيضاً) لينتقل إلى خارج العراق ويصدر عن دار ألواح في إسبانيا مجموعته الشعرية (هواء قلق) هي الأولى له خارج العراق.
في سنة 1999 التقيته في الأردن حتى غادرني إلى الولايات المتحدة الأمريكية ويومها بكينا معا وافترقنا، وفي سنة 2002 أصدر أعماله الشعرية تحت عنوان (يجر وقاره بهدوء) وهو إصدار للمجاميع الشعرية الثلاث السابقة، فضلاً على مجموعته الشعرية الرابعة (إصطبلات العقل) التي كتبها بين عمان وأمريكا.
منفى اللجوء
في أريزونا عاش الحطّاب بالولايات المتحدة الأمريكية، ودرس في (كلية فينيكس) وفيها أصدر ديوانه (أناشيد فينيكس) وصدر عن دار “توسان” في أريزونا لسنة 2020، ضمّ القصائد التي كتبها بين سنة 2000 وسنة 2013 والتي يٍصل عددها إلى نحو أربعين نصاً، وفيها تمثيل وتغني لمواقعيّة المكان الأمريكي الجديد أو قل لشاعر في مكانيته بوصفه لاجئاً؛ إذ يفتتح الديوان علاقته بالمكان مع الماء في أمريكا فيقول:
“خارج أمريكا
كان البحر يدعوني للتأمل
وحين دخلت
رأيت البحر يتأملني
فانشغلت عنه بالسباحة”.
وبما أن الحطّاب شاعر فيحدثنا عن غرابة الشعر في ذلك المكان وهو الذي جاء من وطن الشعر العراقي حتى يقول:
“حين دخلت أمريكا
رأيت الشعر وحيداً
يلهو،
بعد سنوات
رأيتهُ يلعب مع الريح
ابتسمَ لي
وأشار إلى النهر
بدلاً من حياتي”.
في هذا المفتح كان الحطّاب بحاجة إلى الماء والبحر وهو القادم من وطن الماء والشعر حيث ولد في مدينة “العمارة” أو “ميسان” جنوب العراق، وهكذا يبحث الشعر عن نظرائه لا سيما أنه رأى فيها بأنّ “الأعراب ينطحون المدن بقرون من لهب”، وبما إنّنا عشنا الأمرّين في عراقنا المدمج جوعاً يقول الحطاب:
“حين دخلت أمريكا
حيّتني الإمبريالية
وصافحني الاستعمار
كانوا ودودين
فمنحتهم ابتسامتي”.
السم الأمريكي
لكن الحطّاب، وهو العراقي، لا يخفي ما فعلته أمريكا جورج بوش بالأنطولوجيا العراقية التي أرادت الموت للعراق وللعراقيين بلا هوادة، ولا يريد الدخول إلى أمريكا بقلب أسود فهو إنسان تعلّم الموت في وطنه وهو إنسان موجود من أجل الحياة:
“حين دخلتُ أمريكا
لم أمت
فبدأت الحياة”.
لكن الحياة التي يعيشها في أمريكا لا تبدو لدى فرج الحطّاب هي المنتهى فنراه يقول:
“لهذا… أنا في الجهة الأخرى
أرتّب أحلامي
لرحيل آخر سيأتي
دون دجهاتٍ..”.
ولا يخفي وجوده في مدينة أرزونا التي يعيش فيها وهي التي:
“تفترض نبعًا
فيلتبس القصد
وترسم أنهاراً
فتختلط الألوان..”.
وفي قصيدته (أناشيد فينكس)، وهي التي اتخذ الديوان عنوانا لها، كتب الحطّاب يقول:
“لا أملك غير أناشيد
أغازل بها الريح
أجلس وحيدا خارج الزمن
خارج الوقت
خارج الأيام الواقفة
على الحرب
على الحب”.
وهكذا؛ فمثلما كان في العراق الشاعر الذي لا يملك سوى أناشيد يغازل بها الريح، هكذا هو في أمريكا أيضاً لا يملك غير الأناشيد. ويحبل الديوان بقصائد عن مدن أمريكية أخرى مثل لوس أنجلوس وغيرها فيحمل الشاعر عينه الأنثروبولوجية والإناسية وهو المتفرّج الذي منحه اللجوء في أمريكا معاينة كل الأماكن تجوالاً في ساحل سانتا مونيكا، والمطارات، والأصدقاء والتفكير “تحت قامات الأسئلة” وهو ديدنه، حيث في قصيدة “تحت أسوار جامعة ولاية أريزونا” يبكي جرح الشاعر العراقي بما لا يخلو من آلام عميقة للشاعر لا سيما قصيدته “جهات بلا أثر”، حيث يبقى يجرّب العويل، ويبقى الجنوب يلاحقه بكل ما جرى فيه من مآس وعذابات وشبرقة وتمزّق.
تأخذك قصائد فرج الحطّاب إلى بكاء وأكثر كلّما قرأتها سواء تحدّثت عن مواقعيّة الوطن العراقي أم الأردني أم الأمريكي فالشاعر لا يبارحه الجنوب العراقي بكّل ما جرى فيه من مأساة وموت وقتل ولا أراه سعيداً في منفاه الأمريكي؛ إذ هو يبكي هناك حزيناً وحيداً..
اللغة الشعريّة والصورة
لغة الحطاب الشعرية تنفرد باللحظة التي يعيشها شاعر العراق المغدور وهو الذي قلها إلى تجربة الكتابة الشعرية في منفاه خارج الوطن العراقي فالوطن العراقي بقي يلاحقه برمته لكنها لغة شعرية تأثرت بمواقعيّة المكان وهذا هو الشاعر فيما يكتب شعراً بوصفه ابناً للحظته فهو ابن اللحظة في مكانيتها وما بوحه الشعرية سوى تمثيل صادق لذلك.
أما الصورة الشعريّة فهي الأخرى ابنة اللحظة بحيث تتوافق مع مواقعيّة المكان حيثما صار إليه الشاعر أو تنقّل، فالحطاب لم يخن نفسه ولا لحظته الإبداعية قدر تعلّق كتابته الشعرية بالمكان، فكل صوره الشعرية تتطابق مع المكان الذي هو فيه وهذا وفاؤه في كتابة الشعر.

Loading...