جيل دولوز (1925-1995) منظّر مجتمعات المراقبة

بقلم: أوليفر بيروني.

ترجمة: يوسف خليل السباعي

عن “لوموند ديبلوماتيك” 2007

يستحضر الفيلسوف جيل دولوز في نصوصه الأخيرة “التنصيب التدريجي والمشتت لنظام الهيمنة على “الأفراد والسكان، والذي يسميه “مجتمع الهيمنة”. يستعير دولوز مصطلح “الهيمنة” من الكاتب ويليام بوروز، بيد أنه يبني فكرته على عمل ميشيل فوكو على “المجتمعات التأديبية”. ذلك العمل الذي وضعه ميشيل فوكو في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر والذي حدد ذروتها في بداية القرن العشرين، حيث يستمر الفرد في الانتقال من “بيئة حجز” إلى أخرى: الأسرة، والمدرسة، والجيش، والمصنع ، والمستشفى ، والسجن … كل هذه المؤسسات، التي يعتبر السجن والمصنع من النماذج المميزة لها، هي مثل مجموعة من الأجهزة التي تساعد على المراقبة والتربيع والتحكم في الأفراد الذين تشكلوا في “جسم” سهل الانقياد (ديموغرافي، سياسي، راتبي ، إلخ.) ، يتم إدخالهم في “قوالب”.
إن تطور المجتمعات الرقابية يتلائم مع صعود الرأسمالية الصناعية، التي يعرّفها جيل دولوز بأنها رأسمالية “تركز ، للإنتاج ، وملكية” ، والتي “بالتالي تقيم المصنع في بيئة من الحصار”. ومع ذلك، حسب دولوز، فإننا نشهد أزمة معممة في بيئات الحجز هذه، بالتزامن مع تحول الرأسمالية الصناعية إلى رأسمالية “مشتتة”، أو فيض الإنتاج، “أي للبيع أو للسوق”، حيث “يفسح المصنع الطريق للشركة”.
يبدو أن هذا النوع الجديد من التنظيم، الذي يعتمد على التطور التقني وتطوير تقنيات المعلومات والاتصالات، يضمن مجالًا أكبر للمناورة من لدنك الأفراد، ومساحات وأوقات أكثر انفتاحًا ومرونة، مزيد من الحركة، ولكن فقط في المظهر. لأنه، على عكس الأنظمة التأديبية، التي تنطلق عن طريق الإكراه وتركيز الأجساد، فإن الحركة وحرية الحركة هي الشروط الضرورية لممارسة السلطة التي تعمل، من الآن فصاعدًا، من خلال “الهيمنة المتواصلة” على جميع جوانب الوجود و “الاتصال الفوري”.
إن الشركة، التي تأسست على أيديولوجية وطريقة عمل محددة – “التنافس الذي لا يمكن تبريره كمضاهاة صحية” – تقوم بلعب دور مركزي، والتسويق، مما يجعل من الممكن التأثير على المستهلكين، وتصنيع السلوك وتنسيق العقول عن طريق تقنيات أكثر دقة، هي “الآن أداة الهيمنة الاجتماعية”.
يؤكد دولوز أن هذه الشركات، من أجهزة الحواسيب الآلية وأجهزة الحواسيب الآلية للمراقبة عن بعد وعلم التحكم الآلي، لم تلغ حتى الآن الشركات السابقة، بيد أنها تظهر بفضل تحلل المؤسسات التأديبية إلى عمليات قهر أكثر مرونة وماكرة. وفي مواجهة “الأشكال القادمة من الهيمنة المتواصلة في بيئة مفتوحة، من الممكن أن تبدو لنا أقسى أنواع الحجز وكأنها تنتمي إلى ماضٍ لذيذ وخير”.

Loading...