“فضاء لغبار الطلع” للشاعر أدونيس دعوة إلى الإبحار في رحلة “الغموض والتيه”

يوسف خليل السباعي

“فضاء لغبار الطلع”، هوعنوان كتاب للشاعر أدونيس. وهو يحتوي على نصوص-قصائد- في أجزاء من الكتاب، ويوميات وهي مكسوة بغطاء شعري أو، لنقل برقة، لا تخلو من البصمة الشعرية لأدونيس، الذي يعتبره البعض، كما جاء في التعريف به،أكثر الشعراء العرب إثارة للجدل. فمنذ” أغاني مهيار الدمشقي” ، استطاع أدونيس بلورة منهج جديد في الشعر العربي يقوم على توظيف اللغة على نحو فيه قدر كبير من الإبداع والتجريب تسمو على الاستخدامات التقليدية..”.

صدر هذا الكتاب الجديد ضمن سلسلة كتاب مجلة “دبي الثقافية” ( سبتمبر 2010)، التي يرأس تحريرها سيف محمد المري، الذي يقدم بشكل جميل وذكي لهذا الكتاب- الديوان، كما يسميه، على هذا النحو، كتب سيف المري : ” استهل شاعرنا الكبير الأستاذ أدونيس إصداره الرائع هذا – يقصد فضاء لغبار الطلع- بالاستشراف من شرفة تطل على بحر العرب، موجها أسئلته لامرئ القيس بن حجر، ومستندا إلى طرفة بن العبد، حيث يرى أن شعر طرفة لايزال يطرح سؤاله على أبجدية بحر العرب، ويجنح ثانية مع امرئ القيس وهويخصف نعله بالماء والرمل محولا الجدران إلى أجنحة لكي يحيا، ومبتكرا المكان ومحمولا على ناقة الشعر”، وأضاف ” لاشك أن أدونيس كان يستشعر غربة امرئ القيس وهو يعيش بين غربتين، أدناهما المكان وأصعبهما الزمان، وتبلغ الغربة أقصاها حين يخاطبنا وهو في أقصى الأرض بقصيدة ” شنغهاي” في حفل يبدأ ولا ينتهي، ويسهر هو على قبر المعنى، فهل تراه وجد أن الكلمات لم تعد أجسادا قادرة على احتمال روح الشعر وتتكرر الأبجدية؟”، وأشار سيف المري كذلك في مقدمة الكتاب إلى القسم الذي عنونه ب ” غيوم تمطر حبرا صينيا” يتحدث فيه عن زيارته إلى بيجنغ وشنغهاي وإلى الحزن الذي يوقف الشاعر حين يعجز عن أخذ قارورة الحبر الصيني معه عندما تمنعه قوة القانون، وإن كان ” الشعراء هم سادة التمرد على القوانين فإنه ولأمر خارج عن الإرادة امتثل ولارسالة، ، وكما يقول في نهاية القصيدة ” سافر الورق في الحبر الأسئلة، سافر الحبر في الصوت”، ومازال السفر ومازال الشعر رحلة بغير نهاية وإلى غير غاية إلا الشعر بذاته ولذاته”.
إن قراءة هذه النصوص- القصائد- اليوميات هو، في حقيقة الأمر، دعوة إلى الإبحار في رحلة ” الغموض والتيه” وبحث عن ” الأسئلة التي تغلف طلاسم المعنى، فربما نقترب من سماء أدونيس التي قال عنها في الصفحة الأولى من القصيدة الأولى من هذا الديوان الشعري متسائلا : ” من قال إن الشاعر لا يدخل السماء إلا محروسا بالجحيم؟”، وهو ذات السؤال الذي يطرحه كاتب المقدمة..فهل من إجابة؟…
ويقسم أدونيس ” فضاء لغبار الطلع” إلى ثلاثة أقسام، لكل قسم عنوانه الدال عليه، حيث يبحر بداية منذ الصفحة الأولى مع الشاعر امرؤ القيس عبر” أسئلة لامرئ القيس من شرفة تطل على بحر العرب”، وينتقل إلى ” جذرالسوسن”، ثم يلتف على “غيوم تمطر حبرا صينيا “، حيث يحكي عن زيارته إلى بيجنغ وشانغهاي بأسلوب يقترب إلى كتابة اليوميات بصبغة شعرية باذخة، وفي بيجنغ يحل ضيفا على الدكتور شوي تشينغ قوه” الأستاذ في جامعة الدراسات الأجنبية في بيجنغ، والباحث في الأدب العربي، والمترجم الذي وضع شعري- يقول أدونيس- ضيفا بين أحضان لغته الصينية…”. ثم يعود بذاكرته إلى غرناطة حيث بيت لوركا وقصر الحمراء لينتهي به المطاف إلى براغ… ثم بعدها إلى بعلبك، نبع العاصي دون أن ينسى أمكنة وأشياء وغوايات، حيث يصبح السفر رؤية باطنية للأشياء، والأفضية. يقول أدونيس:
أسافر كثيرا، ويتيح لي هذا السفر أن أرى أشياء كثيرة، وأمكنة كثيرة.
الأمكنة، كمثل الأشياء فضاء، مناخ، ضوء.
وعندما أغيب عنها، أنتبه إلى أنني لم أر منها إلا ” معناها”.
تنطبع ” روحها” في حواشي، وتفلت ” أجسامها” عابرة في اتجاه الخفاء. ( ص: 115 من الكتاب)…
إن كتاب ” فضاء لغبار الطلع” بشعريته الباذخة وبتنوعه وبثرائه الأدبي والمعرفي يلح صاحبه على ممارسة ” الوعي الحاضر بالكتابة” كما كتب نواف يونس مدير تحرير مجلة ” دبي الثقافية”، ومن ثم، ” التأسيس لعالم أفضل من خلال إنسان أكثر انخراطا في الحرية وبإرادته”.
وفي حاصل الأمر، أقول إن متعة قراءة هذه النصوص- القصائد تدفعك إلى الاقتراب نوعا ما من سماء أدونيس، أو بعبارة أخرى ” طبيعته المقفلة”، دون أن تتمكن من الدخول إليها كلية، باعتبار الشعر عنده، على ما أعتقد، يقترب مما كتبه رولان بارت في كتابه ” الدرجة الصفر للكتابة” بسؤاله: هل توجد كتابة شعرية؟ هو “الروعة والطراوة للغة محلوم بها ” ( ص: 65- كتاب ترجمه الكاتب المغربي محمد برادة).

Loading...