أكْثر من حِوار وأخْفَق الحِوار !

محمد بشكار

كَبُرَ الشوق لِكلماتها لأنَّ القول المبْعوثَ من قلب ثابتٍ بالمواقف والمبادئ، لا يقف كالغبار في حواشي الأذن، بل يَصل للقلب مُباشرةً ولوِ انقطع في زمن الوباء الإرسال !

كَبُرَ الشوق لكلماتها التي تُحرِّك السَّواكن بعد أنْ جمدت الدماء في العروق، وتجعل الأبكم يستعيد لِسانه الذي بيع للجزَّار، فكلماتُها ذات الحدَّيْن لا تنهمر فقط غيْثاً لتنعش الأنفس بين الأحراش، ولكنَّها في الحدِّ الآخر الأكثر مَضاءً ويسْتدعي تسجيل أحد مواقف الأمة المصيرية، نجدها تمزج الغيْث بهدير الرَّعد لتُعلِّمَنا كيف نكْسِر بالماء الحجر!

قلتُ للحكيمة خناتة بنونة في الهاتف: اشتقْنا لكلماتكِ.. ما أحْوَجنا لإيقاعها الذي يُشوِّش على الأسطوانة سيْرَها العادي وماهو بِعادٍ ولكن شُبِّه لهم تكريساً لأجندة سياسية في الجيوب، فالأسطوانة لا تدور هذه الأيام إلا لِتُملي نغْمة الصَّمت على الجميع، ورغم كل ما قالته الحكيمة وَصلتْني حرارةُ ما لم تقُلْه مِمَّا راكمه زمن كورونا من أحْداثٍ وأجْداثٍ سِياسية تتَّسِم بالخذلان والمُقايضة غير العادلة لما هو حقُّنا بقوة التاريخ والجغرافيا، والبيعِ الرَّخيص الذي يشْتري الخسارة، والسمِّ الذي سبق اللقاح إلى تطعيم الأنفس لتفقد مناعتها وترضى طواعية بالاستيطان الصهيوني الذي تجاوز الجغرافيا ليحتلَّ العقول، وصَلني ما لم تقُلْهُ الحكيمةُ وهي مُعتكِفةٌ في محرابها العلوي المشاطئ لعنْق الجمل بالدار البيضاء، وكان كلامُها الذي تبخَّر حسراتٍ سَيصِل على الأقلام ضارباً في الصميم ، لو لم تمْنَعْها لعنة كورونا من الخروج سوى للطبيب عِلْماً أنها هي الدواء لبعض الضمائر المُتقهْقرة التي لا ينفع معها إلا آخر الدواء وهو الكَيْ !

يُقال إنَّ الأم تشْعُر بوسائل تواصُلٍ حدْسِية بما يخْتلجُ في نفس ابنها، ولسْتُ أبالغ إذا قلتُ إنَّ الحكيمة خناثة بنونة هي الأجْدر بلقب أم الأدب المغربي، لذلك ما كاد هاجسُ الشَّوق لكلماتها يجُول بخاطري، حتى رَنَّ هاتفي الذي بِتُّ أعرف من صوته هذه الأيام الفَرْق بين الرنين والأنين، كان صوتُ كاتبة “النار والاختيار” يُبادرني كعادته في التدفُّق من النَّبْع الرَّؤوم: أهلا بُنَيْ… هل وصلك كتاب حواراتي؟، لا أنكر أن حيْرةً فغرتْ روحي انشداهاً وليس فمي فقط، كنتُ مشتاقاً لأسمع كلماتها التي تضعني ببعض تفاصيلها في الصورة، فإذا بالقَدَر يبْعثُ لي كُلَّ تاريخها من الحوارات لِنُوضع جميعاً بعاهة النسيان نُصْبَ الذاكرة !

أخيراً اهتدتْ ضالَّتي ليدي، وفتحتُ مع الكتاب قلبي المُنشرح وغير القابل بتقلُّبَات مشاعره للشَّرح، لكنْ لم أكَدْ أُنْهي بالقراءة حواراً واحداً في كتاب “حوارات مع خناتة بنونة: مبادئ ومواقف”، حتى عاودتْنِي نفْسُ الحيرة بغشاوتها التي تجعل خارطة الطريق تنْقلب لخارطة حريق، فلا شيءَ في أفق الرؤية إلا الدخان، ولا أحد يمكن الاعتماد على مَعْدنه الأصيل بعد أن تخلَّى الظل عن الرفيق، عجباً كيف بعد كلِّ هذه الأفكار التي تَنْتصِب مشاعل في حوارٍ واحدٍ للحكيمة خناتة بنونة يُخْفق كل حوار في العالم العربي وينجح مع إسرائيل، فما أفظع أن يُغَيَّبَ صوتُ المثقَّف ومعه وعيُ بعض من حواليه فهم لا يفقهون ولا يسمعون، أكثر من أربعين حوارا في هذا الكتاب الذي ينفتح بالذات على الآخر، مع منابر وطنية وأخرى شرقية، مع جرائد ومجلات وطلبة باحثين ومفكرين وأدباء وهيئات ومنظمات وجامعات، جمَّعَتْها وأعدَّتْها للنشر مشكورة الأستاذة “السعدية معروف” لتنبثق عن مطبعة المعارف الجديدة بالرباط، ولم تكنْ خناتة تتحدَّث فقط لتملأ مسامع الهواء، بل تبثُّ بِحُرقة مع الكلمة نبْضَها، لِتُعبِّر بليغاً عن ما يتمزَّقُ الأجيال المُتعاقِبة سراباً من آمال في غد أجمل، ولكن مازال هذا الغد للأسف بِتخلُّف من احترفوا الإجهاض رهين البارحة !

إذا كنتُ في مبتدإ هذه المقالة اشتقتُ لكلماتها فإنِّي لم أُفْصِحْ بعد عن الخبر، لقد فوَّتْتُ بحوارٍ أجْريتُه بهاتفي مع الحكيمة خناتة أن أكون في زُمْرة هذا الكتاب، وما زلتُ أقول اليوم أو غداً أنتقل بحواري من الصَّوت إلى مرحلة الكلمة، ولكن الأيام سرقتني بعد تكالُب بعض الظروف بنهْشِها القاسي فلم أستطع لتنزيله سبيلا، رُبما لأنَّ بعض الكلمات تأْبَى النزول على الورق كما يستعصي بعض الدمع على المآقي، وذلك حقّاً ما تأكَّد لي حين احترق الحوار مع هاتفي بعطبٍ لم تُجده علاجاً كل صعقات الحياة، وتأكَّد لي أكثر لماذا في بُلداننا يُخْفِق الحوار !

Loading...