أوراق المجانين – الحلقة 7: المجنون والبومة

يوسف خليل السباعي

في ليلة من الليالي، خرج المجنون من خيمته الزرقاء قاصدا أشجار الغابة التي يحبها، فهو لم يحب أحدا قط، ولايعرف الحب، ولايتذكر قط إن كان أحب أحدا، إلا أنه أحب جسده هذا الذي لايمكن أن ينفصل عنه. وإذا تذكر شيئا، فإن أول شيء يتذكره هو خيمته والأشجار. ولم يكن المجنون يفرق بين الليل والنهار، ولكنه خرج الآن من الخيمة. كما أنه لم يكن يعرف هل هو في الغابة أم المدينة؟!… ولم تكن الغابة تبعد إلا بمسافة قصيرة عن المدينة.
كان المجنون يعاني، من غير أن يفهم، أو يعلم، مامعنى المعاناة، وكان يعيش حياته بعيدا عن الناس، فهو يعرف أنه لايعيش في هذه الحياة وحده، ولكن هناك كائنات ومخلوقات مختلفة الهيئات والأشكال والأحجام والألوان، إلا أن نظرته إليها كانت غريبة، ومع ذلك، لم يكن يهمه إلا جسده، وجنونه.

عندما وصل إلى شجرة عملاقة، سمع نعيق بومة، فلم يفهم، ولكنه اعتبره صوت ريح شديدة، ولم يهتم بذلك. كان الظلام يسيج الشجرة، والمجنون لايرى، وإذا بنور دائري أحمر يمحي الظلام، منعكسا كلهيب على جسد المجنون كما لوأنه جمرة بركان يتهيأ للانفجار. في هذا الوقت، تحديدا، وفي هذا النور الأحمر، تبدتا عينان، تحلقان فوق الشجرة، وإذا بالمجنون يتلقى ضربة على وجهه.

كاد المجنون من شدة ضربة البومة الشديدة أن يفقد عيناه، لكن لاشيء من ذلك حصل.
ابتعدت البومة، أو حلقت بجناحيها بهدوء، بعيدا، وعاد المجنون إلى خيمته الزرقاء، نام قرير العين، متألما من ضربة البومة الشديدة، وفي الصباح الباكر، خرج من خيمته، واختفى.
هل شفي؟!… لا أحد يعلم!

Loading...