ملعب “لامبيكا” أو حين يتحول عسكري إلى مهندس

بقلم ؛ عبد العزيز الطريبق 

بمناسبة إعداد كتابي حول المُغرب التطواني في القسم الأول عدت للتأمل في بعض ما كتب حول الكرة التطوانية وما يحيط بها. وطالما أثار انتباهي ما كتب عن ملعب المدينة الذي “بناه المهندس ماركيس دي فاريلا”، منذ عودة المُغرب التطواني للقسم الأول وخصوصا مع دخول الفريق (عن جدارة واستحقاق) لحلبة الصراع على الألقاب…
سبق لي، وأنا ابن تطوان ومهتم بتاريخها، أن سمعت عن بناء الملعب وشكله وعن فاريلا. سمعت ممن يكبرني سنا بأن الملعب بني في أواخر العشرينات في شكله العتيق، وتمت إعادة بنائه، عمليا، في نهاية الأربعينات على شكله الحالي (الذي خضع لبعض الإصلاحات فيما بعد).
لكنني اكتشفت من خلال موقع “ويكيبيديا” ( بالعربية والفرنسية) بأنه “…تأسس عام 1913 من قبل المهندس الأندلسي الراحل ماركيز دي فاريلا”…
فوجئت بهذا طبعا، كما فوجئ به، دون شك، العديد من المهتمين بتاريخ المدينة. أجهل حقا من أدخل هذه المعلومات وكذلك مصدرها… لكنها لا تصمد أمام البحث والتمحيص.
بداية، إسبانيا كبلد متخلف اقتصاديا، وقتها، دخل المغرب في إطار استعمار مقنع اتخذ شكل حماية فرنسية-إسبانية نالت منها إسبانيا الفتات. إسبانيا هذه ووجهت في المنطقة الخليفية، كما فرنسا في المنطقة السلطانية، بمقاومة شرسة من طرف القبائل المغربية في المنطقة (الريف واجبالة…). فلقد أخذ منها قمع هذه المقاومة وقتا طويلا وخسائر في الأرواح وميزانية ضخمة قدرت بملايير البسيطات مع إنزال للجنود بمئات الآلاف… كيف لإسبانيا هذه وقد دخلت جيوشها تطوان سنة 1913، كيف لها أن تبني “أقدم” ملعب بإفريقيا “بيه فيه” ومن سيلعب في هذا الملعب؟ هل المغاربة الذين كانوا يجهلون كل شيء عن الكرة، أم الجنود الإسبان المنشغلين بضربات مقاومة الشيخ أمزيان والريسوني وولد احميدو السكان والخطابي واحميدو خريرو…؟ كيف لإسبانيا إذن أن تبدأ استعمارها ببناء ملعب، فهل دخل جنودها للشمال من أجل الاستجمام؟ حتى انجلترا صانعة كرة القدم لم تبدأ استعمارها لمصر (أواخر القرن 19) ببناء الملاعب… طبعا ومع مرور الزمن صار الجنود الإسبان يلعبون الكرة في أرض الله الواسعة أوقات راحتهم وأسسوا لهذا “فرقا” كان بعضها يختفي مع تنقل الوحدات من منطقة لأخرى. لكن ملعب “لامبيكا” لم يبن سنة 1913 ولا في تلك العشرية…
أما عن باني هذا الملعب المزعوم فلا يمكن أن يكون سوى افتراضيا بدوره, تقول ويكيبيديا بأن المهندس ماركيس دي فاريلا هو من بناه سنة 1913.. قلبت أنترنيت في كل الاتجاهات بحثا عن هذا “المهندس”، لكنني لم أجد له أثرا. ولم أجد سوى ماركيس دي فاريلا واحد لكنه يبتعد “بعد السماء عن الأرض” عن الهندسة، إن لم تكن هندسة القتل والتنكيل.
فخوصي إنريكي فاريلا هذا ولد سنة 1891 بمدينة قاديس الأندلسية وورث عن أبيه حب الجندية التي التحق بمدارسها إلى أن تخرج سنة 1915 وعين بمدينة مليلية. وقد تميز بعدها بشراسته في الحرب ضد مقاومي الريف، مما جعله يحصل على عدة تشريفات… فكيف لعسكري مهني كان يدرس بإسبانيا سنة 1913 ولم تطأ رجله أرض المغرب سوى سنة 1915، كيف له أن يتحول إلى مهندس يبني ملعبا بتطوان؟
تدرج فاريلا في سلك الجيش الإسباني وسار من عتاة التيار الفرانكاوي بحيث أطلق العنان للفتك ببني جلدنه من الجمهوريين خلال الحرب الأهلية الإسبانية (39-1936) مما جعله يحظى بالتعيين كمقيم عام إسباني على المغرب الخاضع للحماية الإسبانية ليستقر بتطوان عاصمة المنطقة وقتها، أي أنه تحول إلى الرجل الإسباني الأول بالمنطقة… وكما افترس بني جلدته خلال الحرب الأهلية بإسبانيا، فلم يتورع عن إسالة الدم المغربي بتطوان خلال مظاهرات 8 فبراير 1948 التي استشهد خلالها 21 من سكان تطوان وجرح المئات واعتقل الآلاف، ولم تهدأ المنطقة سوى بعد رحيله سنة 1951 وحضور المقيم فالينيو الذي سلك سياسة مخالفة… هذا هو فاريلا الذي سيصبح ماركيسا بعد وفاته كتكريم من فرانكو ونظامه.
هنا نأتي على موضوع الملعب. حسب بعض المصادر الإسبانية المكتوبة التي اطلعت عليها، وهو ما يناسب ما سمعته من الكبار أيام صغري، فإن ملعب “لامبيكا” بني بصيغة قديمة سنة 1928، لكنه كان ملعبا للهواية ولم يعد يساير الطموحات الكروية المتكاثرة التي صاحبت ظهور فرق تلعب في القسم الثالث والثاني للبطولة الاحترافية الإسبانية. فصار من اللازم على إسبانيا إعادة هيكلة الملعب سنة 1948 أي أيام حكم المقيم العام الجنرال خوصي إنريكي فاريلا المدجج بالنياشين والميداليات التي جمعها في ساحة القتل وليس البناء… كان من الطبيعي، والحالة هذه، أن يسمى الملعب باسمه في مرحلة أولى، أي أن اسم فاريلا (ولم يكن بعد ماركيسا) اقترن بالملعب بعد إعادة هيكلته وتجديده سنة 1948، وليس كمهندس بل بصفته مقيما عاما.
هذا ما تقوله الأحداث والوقائع، ولا علاقة له بحكاية ويكيبيديا. وعليه يجب نسيان حكاية “أقدم” ملعب في إفريقيا هذه خصوصا وقد استعمرت العديد من بلدانها انطلاقا من القرن التاسع عشر وتكونت بها العديد من الفرق سواء الأجنبية أو المحلية…
ملعب “لامبيكا” أو “سانية الرمل” كما عرفه جيلي وأجيالا قبلي وبعدي، أو ملعب “محمد أبرهون” كما نتمنى ذلك تكريما لعميد الألقاب الذي توفي في أعز فترة شبابه، هذا الملعب تاريخي حتى ولو لم يبن سنة 1913 من طرف” مهندس” غير موجود… هو تاريخي لأنه استقبل مباريات القسم الأول من الليغا الإسبانية وشاهد مرور لاعبين كبار على أرضيته، ومن بينهم أحسن لاعب مغربي، الجوهرة السوداء العربي بنمبارك، وكذلك الساحر شيشا. وهو تاريخي بالصفحات البطولية التي كتبها لاعبو الفريق سواء وهم يقاومون الظلم التحكيمي في السنوات الأولى، أو يقاومون من أجل استمرار الفريق أو وهم يحصدون الألقاب… وهو تاريخي بجمهوره الذي يعد من بين أفضل الجماهير الكروية بالبلاد، والذي كان يتميز عن باقي الجماهير في الستينات والسبعينات بطرق تشجيعه وحماسه وبانضباطه، بحيث لم يكن الملعب محاطا بسياج يفصل الجمهور عن اللاعبين ولم يسجل، وقتها، أدنى اجتياح للملعب.
إنه معلمة كروية، حقا، لكنه لم يبن سنة 1913 ولا بناه فاريلا الطالب العسكري بإسبانيا (سنة 1913)… على ويكيبيديا أن تصحح معلوماتها وتضبط تواريخها أو أن تأتينا بما يثبت عكس ما نشرناه لنصحح معلوماتنا…

• Nombre: Estadio Varela
• Año de inauguración: 1928
• Cambios de nombre:
• Campo de La Hípica (1928-1939)
• Estadio Municipal de Deportes (1939-1950)
• Estadio Varela (1950-1952)
• Estadio Sania Ramel (1952-)
• Capacidad: 10.000 espectadores

Loading...