بقلم الأستاذ الخليل بن عبد الودود اخنيبيلة
إن الفن و القصة بالتحديد هي أصدق الكلام على عكس ما يقال أو يظن، أن الحكايات و الفن هو كذب متفق عليه بين الملقي و المتلقي”1.
بهذا التعريف الرائع و التعليق الماتع، عرف الكريم الحسيب نجيب، صاحب الحال و الشأن و الجد و الحظ، طيب العرف و الحرف2، العوفي الذي له حظ وافر من اسمه و نسبه، الأب الروحي للقصة القصيرة المغربية و عرابها، صاحب أطروحة الدكتورة “مقاربة الواقع في القصة القصيرة المغربية من التأسيس إلى التجنيس”، فأصل فيها و أسس، و قعد و فصل، ثم استدعى العلوم لنقد و التحقيق، و السبر والتقويم، و الاستدراك و التتميم، فسبق السابق و أعجز اللاحق، و يكفيه شرفا و فخرا أن أطروحته، كانت تحت إشراف الدكتور “عباس الجراري” و من معينه نهلت وبتقويمه صقلت، و من كلية الآداب بالرباط سنة 1985 تخرجت، فسمت و تألقت، وتعززت و تشرفت، فصارت حسنا فوق حسن، و ما الذي يضر حسنها، و الذي صاغها قريعالحسن، أديب اللفظ، نجيب العلم، عوفي الحلم، و قد مهد في أطروحته بذكر تفوقها على أحفاد ابن معطي، مع الإقرار لهم بالسبق، و ما ينقصهم من جونق3، فقسم مراحلها، و هو أبو عذرتها، فجعل التأسيس فالتجنيس، ثم ثالثة الأثافي، ثم ربط كل مرحلة بسننها، و ذكر موضوعاتها، و الآثار التاريخية و السياسية و الاجتماعية عليها، فشرح مفاصلها، و أبرز مكنوناتها، فتناول الفعل (الحدث)، و الفاعل (الشخصية)، و ذكر الزمان (السرد)، و لم يغفل المكان (الوصف)، فبحث عن الهوية في التأسيس، و سائل عن الهوية في التجنيس، و اهتم بالمثقف المأزم، و حاله المعلوم، و ما عاشت لغته من سموم و هموم، فاستخرج بمناقيشه سيمات القصة القصيرة المغربية (القمع، العنف، العجز، الخمرة، الحبس، الجنس، التسكع، الغربة…)، ثم ختم بعد معاينته بالملاحظة على كثير من الموضوعات بالتكرار، و على المضامين بالاجترار، و ذكر دافعه إلى الكتابة، و هاجسه في الإفادة، و هو قيمة القصة القصيرة المغربية و مكانتها في رفوف المكتبات المغربية، و إقامتها الدائمة في المجلات والملاحق الثقافية، و صيتها الذائع في الندوات الأدبية، فحازت مقدمة الأجناس الأدبية، و فاقت الاتجاهات الإبداعية، و بما أن التراث القصصي، لم يقرأ كفاية، و لم تحظ أسئلته بعناية، هذه لنجيبنا البداية، فاعتنى بالقصة القصيرة أيما عناية، و رفع عنها وهم هدف تسلية القارئ، إلى أنها فن راقي، يعالج القضايا الواقعية، لهذا كانت الأيديولوجيا حاضرة، رغم أنها كانت (القصة القصيرة المغربية) يتيمة و عصامية، بلا أساتذة و لا آباء روحيين، كل هذا ميز القصة القصيرة المغربية، إلا أن عوفينا (وهو الكاد على عيال القصة القصيرة)4، لم يهمل الإشارة إلى القصة القصيرة العربية و مقارنتها بالمغربية، بل نبه أن كل الاستنتاجات هي خطوط عريضة، و مؤشرات للقصة القصيرة المغربية، و لا تشمل المتن القصصي، و لم يكتف باستنتاج الاستنتاجات، و تحديد المؤشرات، بل حدد سببها، و عرض إشكالها، و حدد منتج الإشكال، و فكك السبب، ثم غاص ليحدد خيوط الإشكالية، و هذا كله بعيدا عن فلسفة اللغة الإنشائية، و التعابير الخطابية دون التحقيقات العلمية و الاستدراكات المعرفية و التأملات الفكرية مع النهل و الاستعانة بكل المعارف و المشارب (فلسفة، تاريخ، علم الاجتماع، آداب، لسانيات…).
ثم في الأخير ختم بتواضع أن مقاربته لم تف بالغاية، و لا استوفت النهاية، و لا جاءت بفصل الخطاب، و الحقيقة أنه يصعب جدا الكلام عن كتاب هو خلاصة تجربة، وأطروحة دكتورة، تجاوزت صفحاته السبعمائة، و فاقت شهرة صاحبه الأزمنة، فكيف إذا كان الكاتب عنه متصف بالعجز و القصور، إلا إن نهل من معين هذا الكتاب، و خاط من كلماته جلباب، و اللبيب بالإشارة يفهم، و القارئ للكتاب سيعلم.
و بالله التوفيق و هو حسبي و نعم الوكيل.
1) “مقاربة الواقع في القصة القصيرة المغربية من التأسيس إلى التجنيس” لنجيب العوفي، ص:656
2) القاموس المحيط للفيروز آبادي، مادة (ن،ج،ب؛ ع،و،ف).
3)الجوهر.
4) العوفي لغة: من معانيها الكاد على عياله.







